منذ عقود طويلة، ظلّ المصريون يرددون أننا لا نستطيع صنع أفلام تاريخية ملحمية تليق بتاريخنا. جاء فيلم "كيرة والجن" ليُثبت أن هذه الأسطورة لم تكن سوى وهم كبير.
يأخذنا فيلم كيرة والجن إلى مصر في مطلع القرن العشرين، حين كانت البلاد تغلي تحت وطأة الاحتلال البريطاني. نتتبع رحلة شخصيتين حقيقيتين من أبطال المقاومة الشعبية: الطبيب أحمد عبد الحي "كيرة" الذي قاد خلية سرية لاغتيال قادة الجيش البريطاني، وعبد القادر شحاتة المعروف بـ"الجن"، الشاب المتمرد الذي تحوّل من عميل للمحتل إلى مناضل يضحي بكل شيء من أجل وطنه.
الفيلم مستوحى من رواية "١٩١٩" للكاتب أحمد مراد، وهو نفسه كتب السيناريو والحوار، مما أعطى العمل تماسكاً نادراً بين الرؤية الأدبية والمعالجة البصرية.
فيلم كيرة والجن من بطولة كريم عبد العزيز في دور "كيرة" يقدّم شخصية الثائر الهادئ بعمق حقيقي — رجل يحمل وجع بلاده في عينيه دون أن يصرخ. أحمد عز في دور "الجن" يُبرز الجانب الشعبي المرح المختلط بالبطولة، وهو الدور الأنسب لطاقته التمثيلية. أما هند صبري في دور "دولت فهمي"، فتُجسّد امرأة تختار الوطن على حساب قلبها في مشاهد ستبقى راسخة في الذاكرة.
سيد رجب في دور "الهلباوي" — يهوذا المصري — يُقدّم واحداً من أكثر أدواره تعقيداً، رجل لا هو بطل ولا شرير بالكامل، بل إنسان كسرته الظروف.
الإخراج والصورة البصرية
مروان حامد هنا في أوج قدرته. يفتتح فيلم كيرة والجن بمشهد إعادة تمثيل مذبحة دنشواي ١٩٠٦ بصرياً مذهلاً ومونتاج محكم يُرسّخ البُعد العاطفي من اللحظة الأولى. مدير التصوير أحمد المرسي يمنح كل لقطة نكهة العصر — ألوان دافئة تشبه صور الأرشيف، وإضاءة تُحسّك بثقل الزمن.
فريق الأكشن الدولي أضاف مصداقية لمشاهد المعارك التي كانت في الغالب مقنعة، وإن تفاوت مستواها بين مشهد وآخر.
لماذا يهمنا هذا الفيلم؟
"كيرة والجن" ليس مجرد فيلم ترفيهي — إنه وثيقة سينمائية تُعيد للذاكرة الجماعية أسماء كادت تُمحى من الكتب. كم منا يعرف أحمد عبد الحي كيرة؟ كم منا سمع بدولت فهمي؟ هؤلاء أناس حقيقيون دفعوا أثماناً باهظة في صمت، والسينما هنا تفعل ما لم تفعله المناهج الدراسية.
على المستوى الصناعي، أثبت فيلم كيرة والجن أن السينما المصرية قادرة على المنافسة في نوعية الأفلام الملحمية التاريخية — وهو إنجاز لا يُقدَّر بإيرادات، بل بما فتحه من آفاق لجيل صناع الأفلام القادم.
تقييم AMDB لفيلم كيرة والجن ٨.٥/١٠















