البداية — من السويس بلا حذاء
وُلد إسماعيل ياسين علي نخلة في ١٥ سبتمبر ١٩١٢ في مدينة السويس. كان الابن الوحيد لصائغ ثري، لكن الثروة لم تدم — توفيت والدته وهو طفل صغير، ودخل والده السجن، فترك المدرسة وعمل مناديًا أمام محل بيع أقمشة.
كان حلمه أن يصبح مطرباً، وفي سن الثامنة عشرة سافر إلى القاهرة وحاول الالتحاق بفرق فنية عدة، منها فرقة بديعة مصابني. لكن جميع هذه الفرق رفضت تعيينه مطرباً — ملامح وجهه لا تناسب وجه مطرب عاطفي، فاختاروا له أن يكون مونولوجيستاً. كان رأيهم جارحاً له، لكنه أثبت أن الجرح كان بوابة النجاح.
أراد أن يُغنّي للقلوب — فأضحك القلوب بدلاً. وكانت الضحكة أعمق أثراً من أي أغنية.
المونولوج — حيث وُلد النجم
تعرف في ملهى بديعة مصابني على المؤلف الكوميدي أبو السعود الإبياري، الذي كوّن معه ثنائياً فنياً شهيراً وكان شريكاً له في مسيرته الفنية كلها.
ظل عشر سنوات من عام ١٩٣٥ حتى ١٩٤٥ متألقاً في فن المونولوج، حتى أصبح يُلقيه في الإذاعة. ثم انضم إلى فرقة علي الكسار المسرحية ليعمل فيها مطرباً ومونولوجيستاً وممثلاً.
ظهر سينمائياً لأول مرة عام ١٩٣٩ في فيلم "خلف الحبايب" من تقديم فؤاد الجزايرلي، لتبدأ رحلة صعوده من أدوار مساندة إلى بطولة أفلام حملت اسمه في عناوينها.
العصر الذهبي — ١٦ فيلماً في سنة واحدة
أعوام ١٩٥٢ و١٩٥٣ و١٩٥٤ كانت عصره الذهبي، حيث مثّل ١٦ فيلماً في العام الواحد — رقم لم يستطع أن يحققه أي فنان آخر.
على الرغم من أن إسماعيل ياسين لم يكن يتمتع بالوسامة والجمال — وهي الصفات المعتادة في نجوم الشباك — فإنه استطاع أن يجذب إليه الجماهير حين كان يسخر من شكله وكبر فمه في معظم أعماله. وهكذا استطاع أن يقفز للصفوف الأولى.
أسس فرقته المسرحية الخاصة عام ١٩٥٤ التي استمرت ١٢ عاماً، قدّم خلالها أكثر من ٥٠ مسرحية، وساهم من خلالها في كتابة تاريخ المسرح الكوميدي المصري.
أبرز الأعمال الخالدة
١٩٥٠ المليونير مع فريد شوقي وزينات صدقي ١٩٥٢ مسمار جحا من أشهر أدواره الكوميدية الخالدة ١٩٥٤ الأنسة حنفي مع زينات صدقي — كوميديا لا تُنسى ١٩٥٥ إسماعيل ياسين في الجيش من سلسلة أفلام "إسماعيل ياسين في..." ١٩٥٦ إسماعيل ياسين في البوليس مع رشدي أباظة وزينات صدقي ١٩٥٧ ابن حميدو مع هند رستم وأحمد رمزي — من كلاسيكيات السينما المصرية ١٩٥٩ العتبة الخضرة مع صباح وأحمد مظهر ١٩٥٣ دهب قدّم فيه مشهد بانتوميم صامت بديع يُقارن بأفضل ما قدّمه تشارلي شابلن
مقارنته بتشارلي شابلن
كان معروفًا بروح الدعابة التهريجية والكوميديا الجسدية والمبالغة التعبيرية، وتمت مقارنته بتشارلي شابلن. هذه المقارنة ليست مبالغة — فإسماعيل ياسين كان يُقدّم الكوميديا الجسدية بأسلوب يُشعرك أن جسده نفسه هو الأداة الأولى، وأن الحوار يأتي ثانياً.
في فيلم "دهب" قدّم مشهداً صامتاً من فن البانتوميم حين اندمج في أكل "المعكرونة" الوهمية وشرب الشوربة التي لا وجود لها — مشهد لا يزال يُضحك من يراه للمرة الأولى بعد سبعين عاماً.
التراجع والنهاية المؤلمة
شهدت مسيرة اسماعيل ياسين تراجعاً في الستينيات بسبب عدة عوامل — ابتعاده عن المونولوج، وتكرار النمط الفني، وتراكم الديون، ودخول أسماء جديدة كفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي.
منذ عام ١٩٦٠ تدهورت صحته، وسافر إلى لبنان للمشاركة في بعض الأفلام، ثم عاد إلى مصر. وفي ٢٤ مايو ١٩٧٢، رحل إثر أزمة قلبية — وليس في جيبه جنيه واحد.
هذه النهاية المأساوية تعكس قسوة الحياة الفنية — رجل أضحك الملايين ومات وحيداً دون قرش. لكن إرثه كان أثمن من أي ثروة.





